هذه تتمة لسلسلة ســــيرة الـكـــــائــــن “الكعجـــول”
اللغة نفسها لم تسلم من عملية “الدملكة” في اعتقاد الكعجول، وقد كانت محورا لاشتغالاته وأبحاثه في مغارته بـ”العوينة” وتتلخص نظريته التي قدمها مؤخرا في “المحضرى” (والمحضرى حسب التعبير الكعجولي هي الجامعة) في محاضرته التي يزاحم بها دوركاييم على عرش الدراسات اللغوية. يتناول الكعجول في محاضرته عدة جوانب في اللغة:
- أولا: حذف الضمائر بحيث يمكن التعبير باللغة دون التباسات ودون تعقيدات، وحذف الضمائر يعني تصفية اللغة من الكلمات التي تساعد على الاخفاء والنفاق، فكاتب لا يستعمل الضمائر ..يعني كاتب لا ينافق، كاتب صريح لا يضمر. يَذْكُرُ الكعجول أن الضمائر انتشرت كالفطر في الآونة الأخيرة لاخفاء الكلمات المحرجة أو الكلمات البذيئة أو للتستر على أسماء معينة أو للتحرش أو لِلَّفِّ والدوران. ومخافة أن تتحول اللغة المستقبلية إلى ضمائر يدق الكعجول ناقوس الخطر داعيا إلى لغة لا تلبس طاقية الاخفاء، لغة مباشرة، لا تخجل ولا توارب، لغة صريحة خالية من التعقيد، ولم ينس الكعجول أن ينبه إلى أن مبدأ حذف الضمائر في عرف المنافقين قد يدعى وقاحة وسفالة.
- ثانيا: المبدأ الثاني هو تحرير اللغة، فالكلمات ألفاظ محايدة، هكذا فكل الألفاظ يجب أن تقال، وحدها المعاني التي يختزنها العقل البشري قابلة للتصنيف إلى قبيحة وجميلة، وفي نظره أن الابقاء على حروف الألفاظ في وعينا الشقي مع وسمها بالعيب هو إساءة وتهمة جزافية لهذه الحروف البريئة.
- ثالثا: التركيز على البعد الاجتماعي السيكلوجي للغة، ويهدف هذا الجانب إلى إزالة الحواجز بين أفراد العائلة الواحدة، وإلى توحيد لغة البيت ولغة الشارع، وفي انتظار أن يفصل العلم تكنلوجيا بين اللغتين، فتلبس (فكا متكلما) مثلا حين تخرج من البيت، وتلبس طقما آخر وأنت تتحدث إلى رئيس العمل، وحالما تدخل البيت وتجلس مع العائلة المحترمة الموقرة تكون قد غسلت فمك بمحلول، في انتظار ذلك على الإنسان المعاصر أن يتفادى الازدواجية في اللغة قدر المستطاع، خاصة عند المتعلم الذي تصعقه المفارقة ويتلون وجهه مرات عديدة وهو يشاهد فلم “كزا نكرا” مع أفراد العائلة.
و من جهة أخرى لم يغفل الكعجول خطورة الانفصام الشخصي الذي يؤدي بالشخص الواحد إلى استعمال أكثر من مستوى في اللغة للحديث إلى نفسه.
هذه مناقشة علمية لاموضوعية لها علاقة وطيدة بسيرة الكائن، لكني أجدها قد نأت بي بعيدا عن فن السيرة وعن سيرة الكعجول اليومية، لقد أتبث فشلي الذريع في سرد السيرة وهذا كنت أصبو إليه، سأنزل من هذا المنبر الخطابي العتيق، وسيكون السرد من الآن بواسطة المصورة اللغوية التي التقطت بها بعض يوميات الكعجول سيكون ذلك في رأيي المتواضع أجدى، لنجرب:
سلسة سغيلها الكعبول (شكيب أريج)
تابع قراءة مقالات هذه السلسلة : الصورة الأولى بالأبيض والأسود ليوم بالأسود والأبيض
إنشر هذا المقال على النت