هذه تتمة لسلسلة ســــيرة الـكـــــائــــن “الكعجـــول”
(البيض) طعامي المفضل، وأنا طباخ البيض الأمهر.
حين أتجول في سوق الدجاج أشعر أني في جمهوريتي الأسيرة، أصواتها تطربني، أشكالها وألوانها تثيرني.. هناك من يستغرب من ولهي بالدجاج، لكنه لا يستغرب من وله بعض الناس بالطوابع البريدية أو بالمسلسلات المكسيكية.. شعب الهنود المنقرض كان شعبا مثلي يقدر الدجاج ويفتخر الناس فيه بوضع الريش على رؤوسهم، أكره أن أقلد هؤلاء الهنود لذا صنعت لنفسي قلادة فريدة من نوعها، وخرجت أتجول في شوارع “العوينة”. العيون كلها كانت تركز على القلادة، فكرت أنها فكرة جيدة لتحويل عيون الناس عن عينيك فهم ينظرون إليك بوقاحة، حين تضع قلادة كهذه فعيونهم تقع في الفخ وتنصرف عن عينيك حتى لو كنت مصابا بحول ثلاثي.. ما هو الحول الثلاثي؟!
والله لا أدري!!
انتشلتني من تفكيري العميق ثلاثة عيون كانت تحدق في بوقاحة.. كانا يتجهان نحوي، الأول يراني بعين واحدة والثاني أحول لا أدري أين تتجه نظراته، أإلى عيني أم إلى القلادة؟! ربما هذا ما يمكن تسميته بالحول الثلاثي، خاصة أن الوجهين السياميين قد التصقا ببعضهما حتى اختلطت ملامحهما.
سألني الأول:- ماذا تعني لك هذه القلادة التي تتوسطها بيضة كبيرة؟
سألته بدوري: -ماذا تقصد القلادة أم البيضة؟
تدخل الثاني قائلا: – طبعا نقصد البيضة؟
ضحكت مزهوا وأنا أتابع سيري:- العقل الأعور والعقل الأحول لن يميزا أن هذه البيضة هي بمتابة صورة للدجاجة حين كانت صغيرة.
تركتهما يقلبان النظر إلى الداخل وإلى الخارج ويضربان عقلا بعقل مستغربين.
في الصباح أكنس مغارتي بـ”السَبْرُقٌشَّة” وهي مكنسة من اختراعي واسمها ليس أكثر غرابة من “سواتش” أو “نايك”. صنعتها من ريش الدجاج وحرصت أن تكون متعددة الاستعمالات، فبالإمكان تحويلها إلى مروحة متى شئت ذلك.
عزلة المغارة تمكنني في كل مرة من اكتشاف الذات والأداة، فعادة ما نكتشف الأداة فنضيع الذات وهو ما يحصل لنا في عصر غدونا فيه عبيد أدواتنا، وقد نفلح في اكتشاف الذات فنضيع الأداة ونغدو عبيد أفكارنا. وها أنا أكتب الآن عن الذات فألزمها ألا تنس الأداة “ستيلوريش”-قلمي المفضل- رمز هويتي، وما عجبت إلا لكاتب يتقيأ الحروف ضد الغرب الفاسق الفاسد دون أن ينتبه إلى القلم بين أصابعه ينتحب ضحكا: (يا أمة ضحكت من جهلها الأمم).
سلسة سغيلها الكعبول (شكيب أريج)
تابع قراءة مقالات هذه السلسلة : الصورة الثالثة: حين يكون يومك خروفا
إنشر هذا المقال على النت