- هو الكائن البشري المحض (القزوز)
- هو الكائن غير قابل للتحديد (الكعبول)
- هو المتواجد بكثرة، والمختلف إلى حدود الانقراض (العريف)
الكعجول نفسه يؤمن أنه كائن عضوي ووجوده الحقيقي في ذوبان ذاته مع الجماعة. لمن لا يعرف الكعجول جمعنا هذه النتف من سيرته العطرة، رغم أنه لا يجمع فهو المبعثر الأفكار والأعضاء والأشياء. قميص هنا، وكتاب هناك، وحاجات أخرى موزعة بين هذا وذاك.
***
الهاتف يرن..يرن..يرن..يرن
يحمل (العريف) السماعة، يصله الإحساس بحرارة ابتسامة الكعجول وهو يحشو فم جهاز الهاتف بالدراهم:
- أين أنت أيها (العريف)؟
- أنا في المنزل.
- انتظرني..أنا جاي عندك اليوم.. راك معروض عندي والوليمة عندك.
- وليمة ؟ يا سلام جات فوقتها.
هرول الكعجول إلى سوق السمك بالسويقة، التقط بصلتين، وطمطومتين وخليط من التوابل، (حامضة)، فلفلة، وكيلو نصف سمك من نوع “الشرن” وكيلو من نوع “السردين”.
لما فتح العريف الباب تفاجأ وهو يفتح الأكياس بلهفة بكمية السمك.
- ما هذا يا كعجول؟ نحن اثنين فقط، أنا وأنت؟ من تظن سيأكل كل هذا؟
- لا تقلق، لقد التقيت اثنين من الأصدقاء في الطريق ودعوتهما.
لا يدري الكعجول من قال: (حين يكون البيت قويا تكون العاصفة ممتعة) ولكنه أحس بثقة تقول له أن بمقدور البيت والوليمة احتمال ضيفين لم يكونا في الحسبان، ولا شك سيكون الأمر ممتعا حين تتعارك الأيادي على الإناء الذي بما فيه سينضج.
وكما هو متوقع ما إن اقتربت ساعة الحسم حتى رن جرس الباب، عرف العريف أكثر مما يعرف أن (المغاربة) دقيقون في المواعد المتعلقة بالولائم حتى أنهم يقولون لمن تأخر عن الطعام وحضر بعد الإتيان على الطبق ” ماتت ليه النسيبة”.
فتح الباب ليجد الضيفين الخفيفين كما دلت على ذلك جسديهما النحيفين وابتساماتهم المتكررة. عاد العريف على المطبخ لإكمال ما انهمك فيه، في حين اضطر الكعجول للخروج لإحضار فص ثوم كان قد نسيه.
رن الجرس ليفتح العريف الباب فيجد أمامه حائطين اقتحما البيت دون سابق إنذار، اللهم إلا من ضحكة متقطعة وابتسامة مبتورة وقول أحدهم:
- نحن من طرف الكعجول.
وتساءل أحدهما وهو يستلقي على الفراش:
- أهنا يسكن الكعجول؟
- تقصد أين يتواجد الآن..؟ هو معي مؤقتا.
انصرف (العريف) إلى المطبخ لإكمال الأشغال الشاقة، وهو يفكر في عمق:
” شيئان يملآن فكري بإعجاب يتجدد ويتعاظم دائما: كرم الكعجول اللانهائي، وتحملي لصفاقة ضيوف ضيوفي”
مرة أخرى رن الجرس. هو الكعجول هذه المرة ومعه ضيفين آخرين عمت جلبتهما مدخل الباب واختلطت بجعجعة المدعوين. وفي المطبخ كظم العريف غيضه وهو يسمع مواعظ الكعجول:
- أتريدنا أن تكون مثل القوم الذين إذا استنبح الضيفان كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار.
- لا..لا..أنا لن أبول على النار، سأبول على الطعام ليكثر مرقه وتعم الفائدة.
- فكرة ممتازة، كنت أفكر كيف تكون مأدبة مختلفة مغايرة. فهم دائما يأكلون السمك، ليجربوه هذه المرة بمرق بولك.
هل فعل العريف والكعجول ذلك؟ هل غافل أحدهما الآخر وفعل؟ هذا هو سر القصة، هو ما بقي قيد الكتمان، حتى السارد نفسه ظل يجهل ذلك. فأحد شروط هذه الفكرة المنقرضة هو عدم إفشائها حتى لنفسك.
وفي انتظار أن يكون العشاء جاهزا كان الكعجول يجالس ضيوفه، يدردش ويفرفش معهم على طريقته، وتناهى إلى مسامع العريف المعتقل في المطبخ كلامهم:
- أين المشروبات يا كعجول؟
- بل قل أين هي المنشطات..هل تتصورون وليمة بدون شيشة وحشيشة ومشيشة.
- على الأقل يا كعجول أحضر زجاجة ويسكي
- أكادير حيث نوجد هي بطريقة أو أخرى (كباريه) المغرب، والويسكي الذي يراق فيها أسبوعيا يكفي لسقي حوض سوس بأكمله.
- ايه يا رجل..دعنا ولا تقلب مواجعنا
- أكون أو لا أكون.. تلك هي المسألة.
- أكون أو لا أكون.. ليست سوى جزء من المسألة.
- هات الأطباق إلى هنا يا كعجول.. تلك هي المسألة.
- انتظروا سأحضر المشروبات من ثلاجة البقال، انه نوع من الاستغلال المباح يا أعزائي فأنتم تعرفون أننا لا نتوفر على ثلاجة.
بعد دقائق رن الجرس. يفتح العريف الباب. يتنفس الصعداء. هذه المرة الكعجول وحده غير مدجج بالمرافقين كعادته. لكن أين المشروبات تساءل العريف في استغراب؟؟
- لا تقلق سيحضرها زميلين دعوتهما.. هما قادمان الآن.
ابتسم العريف فهو يؤمن أن الإنسان العظيم هو الذي يبتسم عندما تكون دموعه على وشك السقوط. انشغل برص الأطباق على الطاولة وهو يسأل الكعجول:
- أمتأكد هذه المرة أنك لم تتسرع في دعوة هذه الحشود؟؟
- الأشخاص الناجحين يتخذون قراراتهم بسرعة، ويغيرونها ببطء، أما الأشخاص الفاشلين مثلك فإنهم يتخذون قراراتهم ببطء ويغيرونها بسرعة.
وأطلق الكعجول ضحكته المميزة، وهي نفس الضحكة التي استقبل بها ضيوفه وهم يحملون المشروبات ويلهجون بسخاء الكعجول الحاتمي.
- ألم تقل لي أيها الكعجول أنهما اثنان؟؟
- يا صاحبي. ما يأكله اثنان، يأكله ثلاثة، وما يأكله ثلاثة يأكله أربعة وهكذا دواليك دواليك
أحس العريف بالغبن وهو يرى تعبه وجهده في إعداد المأدبة يذهب هباء منثورا، ولم يشأ أن يجاري صاحبه.
- الكلام يأتي بالكلام، والحب يأتي بالحب، وأظهر الماء يظهر العطشان، والضيف يأتي بالضيف.
- نعم.. وعلى حد المثل العربي: بال حمار فاستبال أحمرة.
وأطلق الكعجول ضحكته مرة أخرى، نفس الضحكة التي أعطى بها الانطلاقة للهجوم على الأطباق التي تفنن العريف في إعدادها وهو يقول:
- تعالوا سواء إلى مأدبة توحدنا، فلم يوحد البشر شيء أكثر من الطعام، ألسنا سواسية كأسنان الحمار؟؟
نفس الضحكة أنهى بها الكعجول المأدبة وهو يودع ضيوفه وقد تركوها صفصفا، خاوية على عروشها، حتى أن القطط لم تغنم سوى رائحة تبخرت كالسراب لدى وصولها مسرح الجريمة.
قصة من تأليف:
شكيب أريج/ ابراهيم الرامي
إنشر هذا المقال على النت
التعليق الوحيد
قزيعة جميلة يا سغايلة الدرب
ذكرتني بايام المحضرة و كؤوس الشاي قرب اشجار التوت الليلي